حسن حسني عبد الوهاب

39

العمر في المصنفات والمؤلفين التونسيين

الدينية إذ لم يكن من بينهم من هو أعلم منه بهذا الشأن . وما زال ( بيت الحكمة ) يضطلع بأداء رسالته العلمية في ربوع إفريقية وخارجها إلى أن نقله ملوك الفاطميين إلى القاهرة عند تحوّلهم إلى المشرق ( سنة 362 ه 973 م ) فزاد هنالك ازدهارا ، ونما قوة وانتشارا بفضل من صحبهم من العلماء الأفارقة ، وبفضل ما نقله الفاطميون معهم من تراث إفريقية العلمي . لكن نقل ( بيت الحكمة ) إلى القاهرة لم يمنع من امتداد روحه ، وسريان تأثيره في العقلية المغربية ، إلى أن توقفت الحركة العلمية بسبب ما اعترى البلاد الإفريقية من اختلال الأمن ، واضطراب الأحوال على آخر عهد بني زيري الصنهاجيين . وفي الوقت الذي كان تأثير بيت الحكمة القيرواني ينضوي ، كانت روحه العلمية تتمادى قدما وتنتشر نحو العدوة الأوروبية ، بواسطة أحد الإفريقيين المسيحيين وأعني به ( قسطنطين المشهور بالإفريقي Constantin I , Africain ) لولادته بمدينة قرطاجنة ، فإنه أخذ العلم بالقيروان عن البقية الباقية من رجال بيت الحكمة ولقن علوم العربية والرياضة وخصوصا الطب والفلك ، ثم انتقل إلى مصر ومنها عاد إلى بلده قرطاجنة - وكانت عندئذ قرية ضئيلة - ومنها قصد إيطاليا واستقر أخيرا بمدينة ( سالرنو - Salerno ) واتصل هناك بملك النرمند ( Normands ) ثم التحق بدير جبل كاسينو الشهير ( Monte Cassino ) ولم يلبث أن تولى رئاسة هذا الدير وحمل رهبانه على الاشتغال بالعلوم العربية . ورغّبهم في ترجمة مصنفاتها لا سيما ما كان منها في العلوم الرياضية كالطب والهيئة والفلك إلى اللغة اللاطينية ، فكان قسطنطين بعمله هذا في مقدمة نقلة تلك العلوم التي انفرد المسلمون عندئذ بإتقانها ومعاناتها والابتكار فيها . وفي نظرنا إن هذا الحادث العظيم كان من أهم الأسباب لدخول علوم العرب إلى العدوة الأوروبية وانتشارها من هنالك إلى الأصقاع الشمالية خصوصا وقد صادف أن كان ذلك في مبتدأ ظهور النهضة الإفرنجية ( Ia Renaissance ) في العلوم الطبيعية والهيئة وغيرها ، وجدير بالملاحظة أن جلّ ما ترجمه قسطنطين من الكتب